الجمعة، 24 يونيو 2016

"هل أتبعك على أن تعلمني مما عُلِّمتَ رُشداً؟"

تنوع الأساتذة في حياتك يضيف لها التنوع..
ويُعطيك بمدارستك لديهم، دخول مدارسهم وفهمها، دون خوض سنينهم تلك فيها، مع رؤية نتاجها من خلالهم..
بعضهم من يكون قريباً ونعمة إلهية تتجلى في أبهى صورها.. وبعضهم تتعلم من كيف لا تصبح شخصاً مثله.. 
وبعضهم من تأخذ الخيرية الموجودة في فكرته وتكملها مع فكرة أخرى تأخذها من معلم آخر لتكمل مدرستك الخاصة بك..
حتى وقت قريب.. وداخلياً.. ما زلت أؤمن بأهمية المعلم الأمين الصادق..
وكنت أُقابل من البعض بأن هؤلاء انقرضوا.. نوعاً ما.. ولا أنكر هذا.. لكني أبقى أبحث عن هذا المعلم طيلة رحلتي..
موسى عليه السلام، رغم صلته وتكليمه لله عز وجل، لم يثنه كل ذلك من سؤال الله أن يدلّه على ذلك العبد الصالح، الذي أخبره تعالى أنه يمتلك علماً لم ينله موسى عليه السلام، مع أنه عبدٌ صالحٌ يجهله من حوله، يعرفه الله.. واختصه الله!
حبي ورغبتي في المدارسة عند عالِم، لأنّ المرء يتعلم الشيء الكثير في طريق رحلته معه في طلب العِلم، فالمدارسة تُعلّمك التواضع، أدب العلم ومجالسته وأهله، الصبر على العلم، والصبر على المعلم بحسن خلقه وشره.. توسع لك مداركك بأكثر من علم، تأخذ خلاصة وصل لها هذا المعلم التي أخذت من سنين عمره ما أخذت.. تتنوع عندك العلوم رغم اختصاصه بعلم واحد.. فأنت لست كفكرة قراءة الكتاب تكتفي بالفكرة الموجودة في الصفحة، بل تتوسع أفاقك إلى درجات أعلى، وأكثر عمقاً في الفكرة الواحدة.. يذهب عنك الكِبر والهوى، وهما أكبر عدوين للعلم!
ستسألني: أين هؤلاء؟ 
أقول: هم موجودون، رغم قلتهم وندرتهم.. لكنهم من موجودون.. ومن بحث عنهم لم يُعدم الوصول..
وقد تسألني: قد أصل إلى تلك الأخلاق وحدي مع كتابي.. وقد أتجنب الزلل معها كذلك.. فلماذا تحدينها عند معلم؟
أقول: نعم، لا يُعدم المرء الوصول من المؤكد، لكن قد يأخذ منك هذا الأمر وقتاً، وزمنا في الاختبار والتجربة، والتي كما قلت تقل عندما تخبرها عند من تدارسه..
إن امتلكت الصدق، وصدقت نفسك وصادقتها وتابعتها وحرصت عليها وهذبتها.. ستخرج بثمار ما تبحث عنك..
غير ذلك.. 
حتى لو كنت مع أفضل وخير المعلمين... هل هنالك معلم أفضل منه صلى الله عليه وسلم؟ وقد كان المنافقون يهابونه فيوافقونه ويخفون في أنفسهم ما يخفونه.. ولكن ذلك لم يمنعهم ولم يؤدبهم بسبب أنفسهم..
و لو كنت وحدك، وامتلكت من صدق النفس ما امتلكت.. فإنك تصل..
تذكر،
إن لم يَكُنْ عَونٌ من الله للفتى، فأول ما يَجني عليه اجتهاده.. 
اللهم علمنا ما ينفعنا، وانفعنا بما علمتنا، وزدنا بك ومنك رحمةً وحِلماً.. ولا حول ولا قوة لنا إلا بك وحدك.. 

السبت، 11 يونيو 2016

وما نحن بمستيقنين

يغدو الكل مُسلماً، بمجرد ذكر الشهادتان، "أشهد أن لا إله إلاّ الله، وأنّ محمد رسول الله"..
ويغدو مؤمناً، حين يَتشرّب هذه الأفكار ويطبقها في واقع حياته اليومية..
وتبقى حياته بين شدٍ وجذب .. وبين صعودٍ ونزول .. وجمالية الحياة في ذلك في الحقيقة، أن لا تكون خطاً واحداً ثابتاً، بل خط سفليّ لا يمكن أن تنزل عنه وخط أعلى تتجاوزه كل حين لما هو أعلى منه..
بين كل ذلك .. تزل الكثير من الأمور .. وتدخل الكثير من الشوائب ولا تغدو الحياة مفهومة.. ويُغرّ المرء بنفسه... بما وصل له .. بما عرفه .. وحتى يُغرّ بما خصّه الله به ... " الذي جعل الموت والحياة ليبلوكم أيّكم أحسن عملاً وهو العزيز الغفور"
فتكون الفتنة .. بالغشاوة التي تُصنع بسبب تلك الأمور ..
مما ندعو به " ارزقنا من اليقين ما تهوّن به علينا مصائب الدنيا "
نعم،
فاليقين أجده أمر أعلى من الإيمان، وقد يتساوى معه إن اعتبرناه المعنى "المعنوي" له..
فنحن نؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله والقدر خيره وشره... وهي أصلاً أمور غيبية، ولكن بعض المفاهيم تزل لدينا مع مادية هذه الدنيا ..
فتشعر أنّ "اليقين" هو ما تحتاجه .. لتعود لحلقتك الأولى و "تُسلّم" دون كَدَرِ أو فتنةِ ما جعله الله لك رزقاً ..
ويَغدو هذا الرزق بما سببه لك من اهتزاز خيراً يقودك لشكر الله وتسبيحه، بدلاً من هزّات أقلقت ليلك ومنامك ونفسك وإيمانك الأول .. وجعلتك جزوعاً متألماً " وإن كان الجزع مما خلقه الله في الإنسان ، لكن ما أريده مع اليقين أن يجعل المرء يقترب من الله بدلاً من يهتز حبله معه جلّ في علاه ..
وكما قال تعالى "وظنوا أن لا ملجأ من الله إلاّ إليه "
وكما قال أحد السلف: " سأل أحدهم رجلاً مؤمناً : إن كان ربك يرمينا بسهام القدر فتصيبنا ، فكيف لي بالنجاة ؟ فأجابهُ : كن بجوار الرامي
.
نحن نعلم أنّ أمر الله كله لنا خير .. ولا نقنط أو حتى نتأفف مما يحصل لنا .. لكن يعتصر قلبنا الكثير الكثير .. ونبقى نفكر في الأمر ونهتم ونألم ! ، وتضيق علينا الدنيا .. بينما ما يجب أن يكون من صدق إيماننا إثبات قوله صلى الله عليه وسلم (لو توكلتم على الله حق توكله لرزقكم كما يرزق الطير، تغدو خِماصاً وتروح بِطاناً)، الفكرة ليست فقط بالتوكل، وإنما باليقين أنّ من يرزقها هو الله، هو الذي خلقها .. هو الذي يتولاها !
.
اللهم،
وارزقنا من اليقين ما تهوّن به علينا مصائب الدنيا... يا رب !

الخميس، 9 يونيو 2016

حياتك كذبة ... كبيرة !

بداية
حياتك فقاعة كبيرة، أكذوبة .. فجأة انفجرت.. فجأة صار لِزام تصديقها !
كنت طالب في جامعة.. ثم ماجستير، فدكتوراة..
لا ، وليس أي اسمٍ أو مرتبة!
وتستمر حياة البطل، ويتزوج، ويكون دكتوراً مرموقاً في الجامعة..
ويحصل حياة يحلم بها أي شخص في زمانه، بل وزماننا..
لكن،
لا تكمل هذه القصة مع أحد، حتى تتعكر حياته ببعض الغموض والتبعات..
فقد أصبح بخبرته وذكاءه الحاذق أحد المستشارين في الاستخبارات الأمريكية، ليقوم بفكّ شيفرات معقدة يُرسلها الروس إلى قواعد في أمريكا، كما أنه يتميّز في ذلك !
المسؤوليات والالتزامات والواجبات كذلك، لا تترك أحداً، فزيادتها مع الأيام زادت الضغوط عليه، لدرجة أصبح يُخيّر نفسه بين زوجه الحامل وطفلهما القادم، وبين الاستمرار في خطورة عملٍ لم يستطع يمتلك الخيار في الترك منه أصلاً !

الصدمة
خلال ذلك، وفي مقطعٍ مفاجئٍ أيضاً من حياته، يتم سحبه إلى مستشفى الأمراض العقلية، متهماً باختلالٍ في عقله، وأن الشيزوفرينيا والفُصام من نصيبه.. وهو بالتالي غير كفؤ لمناصبه تلك!

ارتبط بامرأة قوية، لأنها ستكون جيشك الوحيد
يَصعبُ على زوجه التي وجدته في تلك الأماكن أن تراه مريضاً عقلياً..
أن يغدو ذلك العقل الفذ، العقل الذي لا تقف أمامه أيّ معادلة ورقمٍ إلاّ ويجد تحليله عنده..
أن تكون الصدمة لها فوق ذلك..
كل ذلك وما فات من استخبارات وعمليات ملاحقة، ما هي إلاّ وهم..
وأنه بالفعل مريض، وليس اتهام له !
ولكنها من رأته كيف كان .. وخَبَرته في أوقات قوّته، وآمنت بما يحتويه ويحمله !
فكيف ستكون الحياة بعد ذلك في كل الجهات؟



عمّ تتحدثين؟  
ربما إلى الآن تظنني أتحدث عن فكرةٍ ما أريدُ الوصول إليها، وأنه محض مثال أضرب الفكرة به..
لا،
أنا أتحدث عن فلم The Beautiful Mind
عن الإقتصادي الشهير "جون ناش – John Nach" صاحب نظرية الـ Equilibrium  أي التعادل، وهي نظرية اقتصادية كان هو رائدها ومُظهرها، مفادها تتحدث عن التعادل في الإنتاج، وذلك بدراسة المنافسين وما يقدمونه من عرض وطلب وأسعار، وموازنته مع ما نريده نحن كجهة مقابلة ومنافسة، ولكن بشرط أن يكون في لحظة محددة وظروف واحدة محددة، لأنّ تغير العوامل هذه تستدعي دراسة أخرى ونواتج أخرى كذلك.. وهذه اللفظة مختلفة عن التعادل أو التوازن بمصطلحه في اللغة الإنجليزية Balancing ..

لا أحب أن أقرأ تفاصيل الفلم قبل أن أحضره، وإنما أترك لنفسي الخيال والقرار بشأنه، واكتفي فقط بأنه تمّ ترشيحه لي لمشاهدته،، ومن أجل ذلك كانت الدهشة أكبر..
نظرية الـ Equilibrium  "الأكويليبيرم" من أوائل النظريات الإقتصادية التي درستها في تخصص إدارة الأعمال، وكان له أثره في ذلك، وكانت هذه النظرية من النظريات التي أحببتها..

سأكتفي بهذا القدر والحديث عن الفلم، يمكنكم مشاهدته ومعرفة ما حصل لجون ناش وكيف استمرت الحياة بعد ذلك..
لكن ما لفت انتباهي أيضاً، أنّ جون ناش وزوجه توفيا سويةً في منتصف عام 2015 بحادث سير..

***

نأتي إلى لُب الأمر..

تخيل حياتك كتلك البداية.. كل شيء يسير وفق نظام، ومن نجاحٍ إلى نجاح، ومن مركز إلى أعلى..
وتحقق أحلامك على الصعيد الخاص والاجتماعي، والعِلمي كذلك..
حتى تكتشف أنّ كل ذلك كان أكذوبة .. وأنك غير مدرك ذلك بعد ، ربما ليس السبب مرضاً يصل للفُصام.. لكن هناك جهل من زاوية ما، وعدم إدراك وجود هذه الأكذوبة.. وأنّ ما بنيت حياتك على أساسه ما هو إلاّ أعمدة هاوية، هشة، لا قيمة لوجودها، حتى تهاوت وسقطت وأسقطتك معها وكل شيء !

ما قيمة الحياة ؟
أن تمتلك الشغف، الإبداع ، والخيال ! ... ليس بالأمر الهيّن .. وسيجعلك ذلك تدفع ثمنه شخصياً الشيء الكثير، ولكنك ستعطي الأجيال من بعدك الشيء الكثير !
أن تسير خلف حُلمك وما تريد، ليس سهلاً، لكنه ليس مستحيلاً أيضاً، لا أتحدث بكلامٍ دون معنى.. ولكن الحياة هكذا .. معادلة عادلة، متساوية الأجزاء، ومن كان بمعية الله تعالى وجعله أمام نظره أنّى اتجه وجده، وبارك له فيما أعطاه.. بل وأرضاه !

رسالتي
دائماً ما كنا نسأل، كيف أعرف رغبتي وحبي لشيء ما، وأني لن أفتر منه مع الأيام؟ وأقول أن هذا شغفي.. هذا ما أريده!
في هذه المرحلة أستطيع القول:
هو ما تفتخر به أولاً..
ما يكون شغلك الشاغل وحديثك غالب الوقت، ليس بالضرورة الموضوع، بقدر أن تكون بصمته مزروعة فيه..
أن تتحدث عنه بقلبك الخافق، بتلألؤ عينيك قبل كلامك..
أن يصاحبك في ترحك وفرحك..
أن تجد به سلواك.. ومهما قرأت وتبحرت فيه فإنك لا تملّه..
أن يكون جليسك مع نفسك، تفكر فيه معها..
أن يكون شغلك الشاغل كما قلنا بدايةً..
هدفك وطموحك وحياتك..
معه وبه تزهو نفسك.. تفخر به كابنك الكبير أمام الناس... وتكون مستعداً لأن تلقى الله فيه كعملٍ قدمته وسعيت له في حياتك الدنيا..

يا رب :")

الأربعاء، 1 يونيو 2016

منعطفٌ صعب

في كل يوم قبل النوم، يأتي طارئ الذهن والسؤال لك..
عن ذلك الإنسان القابع فيك.. عما فعله.. عن استحقاق الأشياء التي أتته.. وعن استحقاقه لها..
عن يومه وما فعله.. عن حزنه، عن فرحته، عن شعوره الصاعد الهابط.. عن تعرّج الأفكار، وتعكّز الأمنيات.. وطيران الروح، وانعتاق النفس!
ماذا حدث؟ ولماذا حدث؟
لم تصرفت هكذا؟.. وعلى أي أساس أقيس ما فعلت؟
فإما أن تكون في هذه المرحلة تبدأ بجلد ذاتك بعد تداعي هذه الأسئلة داخلك، أو أنك تذهب إلى النقيض منه فينعدم داخلك الشعور.. أو قد تحاول أن تكون متوسطاً بعض الشيء كي تجد حلاً
تقول: فلان وقع في ذات الموقف وكان تصرفه عكس ما قمت به تماماً.. وتلك قالت أنها لا تصطبر خطوة واحدة من تلك الطريق، فكيف بالنهاية التي وصلت لها؟
وآخرون ينعتوك بالسذاجة والبلاهة.. وبأن أصحاب ذلك الطريق والتصرف فيه قد انقرضوا واختفى أثرهم!
فتجد نفسك تفكّر في ذلك الأمر جدياً، وتُعيد تركيب نفسك وقطعها، فتجدها تعود إلى أماكنها الأولى..
مممم،
هل اعتادت القِطع على أماكنها حتى أنها باتت تترتب تلقائياً في أماكنها التي "اعتادتها" ؟
ثمّ إلى أي درجة كلامهم صحيح؟، وهل قلّة وجود الأمر يعني عدم صوابه؟ وهل كثرته تعني ذلك بالضرورة؟
من الحَكَم؟... قلبي أخبرني أنه رغم ألمه بكل ذلك، لكنه سعيد.. وقد عادت دقاته ونبضاته بالثبات الأصيل.. بعد توسّع وانقباض!
لم أملك ما أقوله لهذا القلب، وهو الذي كان الدليل، وكان الصديق الذي يخبرني: أن ابتعدي... أن اقتربي!
فوجدتني أُعاود حمله وضمّه إلى صدري ليعاود النبض فيه.. علّ ذلك يهدهد على كل ما حصل... ما حيلتي أن أفعل له؟
في الحقيقة، حاول عقلي أن يكون المسيطر على ساحة الموقف، وأن يضبط الإيقاعات المتصاعدة والمتضادة في منطقة الوسط.. دون أن يصيب أو يؤثر على أحدهم بالمقتل!
هو يعرف القلب والنفس والروح... ويجد في نفسه بأن لديه "الموانة" عليهم ليحملهم الحِمل ذلك... وراهن على ذلك.. ونجحوا!
ويحاول العقل أن يكون "أعقلهم" وأن يكون منطقياً لأنه الذي يُسمى بذلك عادةً .. ولكنّه انصدم بنفسه بعدها..
وحدها نفسي لم ترضَ بذلك رغم موافقتها عليه.. لم يكن عكس ما تؤمن به، بل في صميمه.. ولم يكن بغير ما تهوى بل في عز ما تتمناه..
ولم ينفي عنها النجاح رغبتها... ولم ينفي عنها تقدم الزمان غربتها.. ولن تنفي الأحداث التالية ؛ رضاها..
لكنه هو،
"الطريق"
نتعلق به... نؤمل أنفسنا بطويل المُقامِ به... نسمع الذرائع ونصغي لها... نضع الأعذار ونصدقها... نحاول الوصول ؛ لكنه سراب!
حاورتني نفسي كثيراً.. وكنت كتلك الأم التي ترفض أن تسمع ابنتها.. هي تعلم ما تريد قوله.. وليس رفضها لرفضها المثول أمام الحُكم.. لكن كما يقولون: "المُعرّف لا يُعرّفْ"
منعطفٌ صعب
منزلق خطر
جبل شاهق
ووادٍ سحيق
هل شعرت بالهوّة الموجودة في تلك الأماكن؟
هل شعرت بالبرد فيها؟ هل سمعت الصدى المنكسر المترامي على حِجارتها؟
أم هل انتبهت للظلام الدامس فيها؟ ذلك إن تحسست جسدك لحظتها... لن تراه!
....
يا الله
وجدتك هناك
عند ذلك المنعطف
بعد تلك الظلمة
قبس يناديني: أن تعالي
وكانت الإشارة منك وحدك: من هنا الطريق!
وبين التفاتة النفس للطريق الموازي
وشهقة الروح للانعتاق الجديد
والولادة الجديدة
ماذا بعد؟
إنّ ما نخافه حصل!
وإنّ ما نخشاه وقع!
وما نملكه فقدناه!
وما أقلقنا.. سرعان ما انكشف!
ماذا بعد؟
.....
الآن تحسس نفسك... تجدها!

السبت، 28 مايو 2016

بين الوفاء والهجرة

الوفاء كلمة فضفاضة في حياتنا .. باتت تحمل أسفل منها الكثير من الحسابات والغايات..
كأي كلمةٍ أخرى في هذه الحياة ، تُمحورها السياقات في غير ما هي له .. وربما احتمل النص ذلك !

هذا الكلام لا يحتمل، بدايةً، أيّ مقدمة، وبعض الأمور قد بات الحديث عنها فوراً هو نقطة أساسية لا تقبل التفاوض!
الوفاء بين الناس، الوفاء لأشخاص يستحقون، الوفاء من أشخاصٍ لنا ونحن لا نستحق،،
الوفاء للحيوان .. الوفاء للمكان .. للزمان .. لرائحة العِطر .. وغيرها الكثير من الاحتمالات..

ما الذي يحكم كل هذه القواعد؟ وأيّ خُلقٍ في الإنسان يجب وجوده ليحمل المعاني ويتسامى بالمرء؟
وهل يستحق الذي نعيش به أن يترفع الإنسان بخُلقه ويذكر الطيّب لأشخاصٍ لا يستحقوه وهم أذاقوه المرّ لاحقاً؟

كثيرة هي الأفكار التي تتسارع في ذهني .. وأحاول تفنيدها إن كانت تتناسب للوفاء أم لا..

لكنني أجد الوفاء ينقسم لشقين اثنين؛ المعنى الحرفي للوفاء، بالوفاء على العهد والقول والعمل .. إلخ، وهذه الجزئية متعلقة بالشخص نفسه وما يحمله من قيمٍ وأفكار..
والمعنى الآخر متعلق بالشخص مع من حوله من إنسانٍ وجمادٍ ونبات وزمان...
ربما يختلف معي البعض بخصوص الشق الآخر .. لكنني من جهتي وجدت سلوىً كثيرة في ذلك ... خاصةً حين تستشعر أنّ لهذه الأشياء أرواحاً مثلنا تماماً ، تنبض بما نحب .... وتذكرنا أيضاً بالنقيض مما يُعيدك في لحظتك سنينَ طويلة !

بالنسبة لوفاء الإنسان مع نفسه،
وذلك بأن يكون وفياً معها في ما يؤمن به، ويحفظها ويرعاها، ويجلب الخير والنفع لها .. ويحفظها من كلّ شر وسوء قدر الممكن،، قبل أن يكون بذلك مراعياً لأحدٍ غيره .. لأنّه سيكون نتيجة تلقائية !

أما بالنسبة لوفائه مع سواه..
فيكون بحفظ المكان .. بحفظ الزمان قدر الإمكان .. أن يحفظ حرمتيهما بوجوده..
أن يفي بوعده وكلامه مع من يُحبهم .. ويكون معهم في قوله وفعله ونفسه وقلبه وعقله ..

جائتني هذه الصورة يوماً ما، مواساةً لأمرٍ أحزنني، وكانت الحواجز والأوراق عائقاً عن أمنيةٍ في النفس والهوى.. ولكنها أقدار الله كذلك !


ليست المشكلة لأنني سوريّة قطعاً .. لأنّ  هذه البوتقة ليست الشماعة الوحيدة ، وكثيرٌ من الأراضي وأهلوها قد نالهم ما نال بلدي وأكثر .. بقدر ما هو اغتراب وغربة وألم قد أحاط بالنفوس فأبعدها .. 
هذا الشكل يكون بعدم الوفاء .. بدءًا من نفسك.. حتى يصل إليهم..

يوماً ما،
كان لعمارتنا حارس مصريّ، له جثة متوسطة قويّة.. يستطيع أن يحمل ثلاجة كاملة كأنه يحمل في يده دجاجة !
رحل في نهاية عمره الخماسيني إلى بلده مصر، بعد أن جمع من المال ما شاء الله له أن يجمع،
سألت عنه بعد فترة، قيل لي : سافر منذ شهر، وقريباً أًصيبَ بتليفٍ في كبده فتوفيَ مباشرة !
.
من حينها تغيرت بعض المفاهيم لديّ..
الوفاء ما قيمته ..
وهل تكفي الأموال شفيعاً له عند أطفاله الصغار من حُرِمَ رؤيتهم سنين طويلة، وهو يُجمّع من النقود كي يكون معهم؟
و"يتفرغ لهم" ويَعيش "السعادة" معهم ... حينها يجب أن نقف ونسأل أنفسنا .. ما معنى السعادة ؟ وكيف تكون؟ وكيف نصل إليها ؟
.
نصف الوفاء ؛ خيانة ..
تخون صديقك حين لا تمنحه الكلمة الصائبة في الوقت الذي يحتاجه ..
تخون أطفالك حين لا تعلمهم الفِعلَ اللائق بهم والأخلاق.. حين لا يتمثلونه فيك !
تخون أهلك حين تبتعد عنهم وهم في أمس الحاجة إليك بكل طرق الحاجات !
تخون عملك حين لا تقوم بدورك.. أو تقم به لمنتصف الطريق وعلى مضض !
تخون نفسك حين لا تكون كلّ ذلك ... حين لا تكون أنتْ...