السبت، 28 مايو 2016

بين الوفاء والهجرة

الوفاء كلمة فضفاضة في حياتنا .. باتت تحمل أسفل منها الكثير من الحسابات والغايات..
كأي كلمةٍ أخرى في هذه الحياة ، تُمحورها السياقات في غير ما هي له .. وربما احتمل النص ذلك !

هذا الكلام لا يحتمل، بدايةً، أيّ مقدمة، وبعض الأمور قد بات الحديث عنها فوراً هو نقطة أساسية لا تقبل التفاوض!
الوفاء بين الناس، الوفاء لأشخاص يستحقون، الوفاء من أشخاصٍ لنا ونحن لا نستحق،،
الوفاء للحيوان .. الوفاء للمكان .. للزمان .. لرائحة العِطر .. وغيرها الكثير من الاحتمالات..

ما الذي يحكم كل هذه القواعد؟ وأيّ خُلقٍ في الإنسان يجب وجوده ليحمل المعاني ويتسامى بالمرء؟
وهل يستحق الذي نعيش به أن يترفع الإنسان بخُلقه ويذكر الطيّب لأشخاصٍ لا يستحقوه وهم أذاقوه المرّ لاحقاً؟

كثيرة هي الأفكار التي تتسارع في ذهني .. وأحاول تفنيدها إن كانت تتناسب للوفاء أم لا..

لكنني أجد الوفاء ينقسم لشقين اثنين؛ المعنى الحرفي للوفاء، بالوفاء على العهد والقول والعمل .. إلخ، وهذه الجزئية متعلقة بالشخص نفسه وما يحمله من قيمٍ وأفكار..
والمعنى الآخر متعلق بالشخص مع من حوله من إنسانٍ وجمادٍ ونبات وزمان...
ربما يختلف معي البعض بخصوص الشق الآخر .. لكنني من جهتي وجدت سلوىً كثيرة في ذلك ... خاصةً حين تستشعر أنّ لهذه الأشياء أرواحاً مثلنا تماماً ، تنبض بما نحب .... وتذكرنا أيضاً بالنقيض مما يُعيدك في لحظتك سنينَ طويلة !

بالنسبة لوفاء الإنسان مع نفسه،
وذلك بأن يكون وفياً معها في ما يؤمن به، ويحفظها ويرعاها، ويجلب الخير والنفع لها .. ويحفظها من كلّ شر وسوء قدر الممكن،، قبل أن يكون بذلك مراعياً لأحدٍ غيره .. لأنّه سيكون نتيجة تلقائية !

أما بالنسبة لوفائه مع سواه..
فيكون بحفظ المكان .. بحفظ الزمان قدر الإمكان .. أن يحفظ حرمتيهما بوجوده..
أن يفي بوعده وكلامه مع من يُحبهم .. ويكون معهم في قوله وفعله ونفسه وقلبه وعقله ..

جائتني هذه الصورة يوماً ما، مواساةً لأمرٍ أحزنني، وكانت الحواجز والأوراق عائقاً عن أمنيةٍ في النفس والهوى.. ولكنها أقدار الله كذلك !


ليست المشكلة لأنني سوريّة قطعاً .. لأنّ  هذه البوتقة ليست الشماعة الوحيدة ، وكثيرٌ من الأراضي وأهلوها قد نالهم ما نال بلدي وأكثر .. بقدر ما هو اغتراب وغربة وألم قد أحاط بالنفوس فأبعدها .. 
هذا الشكل يكون بعدم الوفاء .. بدءًا من نفسك.. حتى يصل إليهم..

يوماً ما،
كان لعمارتنا حارس مصريّ، له جثة متوسطة قويّة.. يستطيع أن يحمل ثلاجة كاملة كأنه يحمل في يده دجاجة !
رحل في نهاية عمره الخماسيني إلى بلده مصر، بعد أن جمع من المال ما شاء الله له أن يجمع،
سألت عنه بعد فترة، قيل لي : سافر منذ شهر، وقريباً أًصيبَ بتليفٍ في كبده فتوفيَ مباشرة !
.
من حينها تغيرت بعض المفاهيم لديّ..
الوفاء ما قيمته ..
وهل تكفي الأموال شفيعاً له عند أطفاله الصغار من حُرِمَ رؤيتهم سنين طويلة، وهو يُجمّع من النقود كي يكون معهم؟
و"يتفرغ لهم" ويَعيش "السعادة" معهم ... حينها يجب أن نقف ونسأل أنفسنا .. ما معنى السعادة ؟ وكيف تكون؟ وكيف نصل إليها ؟
.
نصف الوفاء ؛ خيانة ..
تخون صديقك حين لا تمنحه الكلمة الصائبة في الوقت الذي يحتاجه ..
تخون أطفالك حين لا تعلمهم الفِعلَ اللائق بهم والأخلاق.. حين لا يتمثلونه فيك !
تخون أهلك حين تبتعد عنهم وهم في أمس الحاجة إليك بكل طرق الحاجات !
تخون عملك حين لا تقوم بدورك.. أو تقم به لمنتصف الطريق وعلى مضض !
تخون نفسك حين لا تكون كلّ ذلك ... حين لا تكون أنتْ...

ليست هناك تعليقات: